فخر الدين الرازي

168

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المخاطب بقوله : * ( وقولوا للناس حسناً ) * من هو ؟ فيحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته : قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه . المسألة الرابعة : منهم من قال : إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ، الأول : أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً ، والثاني : قوله تعالى : * ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) * ( النساء : 148 ) فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم ، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القتال ، ومنهم من قال : إنه دخله التخصيص ، وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان ، أحدهما : أن يكون التخصيص واقعاً بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسناً . والثاني : أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله تعالى . وفي الأمر المعروف ، فعلى الوجه الأول : يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني : يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب ، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص ، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهارون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون ، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى : * ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) * ( النحل : 125 ) وقال تعالى : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) * ( الأنعام : 108 ) وقوله : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) * ( الفرقان : 72 ) وقوله : * ( وأعرض عن الجاهلين ) * ( الأعراف : 199 ) أما الذي تمسكوا به أولاً من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم ، قلنا : أولاً لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) * ( الأنعام : 108 ) سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولاً حسناً بيانه : أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعاً في حقهم فكان ذلك اللعن قولاً حسناً ونافعاً ، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسناً ونافعاً من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح ، سلمنا أن لعنهم ليس قولاً حسناً ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن ، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقاً للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقاً للتحقير بسبب كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم ، وأما الذي تمسكوا به ثانياً وهو قوله تعالى : * ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) * ( النساء : 148 ) فالجواب لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم